تفكيك "غزة الجديدة": مخطط شطب الأونروا وبدء المرحلة الثانية من هندسة القطاع
في خطوة تكشف ملامح الإدارة السياسية والأمنية المقترحة لقطاع غزة، أعلن ما يسمى بـ "مجلس السلام" (Board of Peace)—الهيئة الدولية المدعومة أمريكياً والمكلفة بإدارة المرحلة الانتقالية—عن توجه صريح لإنهاء وجود وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بشكل كامل، معتبراً في بيان رسمي عبر منصاته الرقمية أن "لا مكان للوكالة في غزة الجديدة"، بحجة "طوي صفحة الاعتماد الدائم على المساعدات المرتبطة بالنزاع".
هذا الإعلان ليس مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل يمثل بداية التنفيذ الفعلي للمرحلة الثانية من مخطط إعادة هندسة القطاع ديموغرافياً، سياسياً، وإنسانياً.
لماذا صِيغت هذه المخططات في "العواصم المحتلة"؟
عندما نرصد هذا التطور من خارطة "العواصم المحتلة"—سواء تلك الواقعة تحت الاحتلال المباشر كـ "تل أبيب" أو تلك التي ارتهن قرارها السياسي لدوائر النفوذ الصهيوني والاستعماري كواشنطن وبعض العواصم الغربية—فإننا نؤكد حقيقة لا تقبل المواربة: إن صياغة مستقبل غزة لا تنبع من إرادة محلية أو توافق وطني، بل هي نتاج "مطابخ سياسية أمنية" تابعة لقوى الاحتلال وحلفائه، تسعى لفرض وصاية قسرية على شعب لا يزال يقاوم لتثبيت هويته فوق أرضه.
البُعد الإنساني الميداني: لقمة العيش تحت المقصلة الأمنية
على الصعيد الميداني، يمثل هذا القرار حكماً بالإعدام الإداري على مقومات الحياة اليومية لأكثر من 70% من سكان القطاع المسجلين كلاجئين. الأونروا ليست مجرد شعار، بل هي الطحين اليومي، وحليب الأطفال، ومراكز الرعاية الصحية الأولية، والمدارس التي تؤوي النازحين.
إنهاء دور الوكالة في هذا التوقيت الحرج يعني دفع مئات الآلاف من العائلات إلى حافة مجاعة حقيقية منظمة، وتحويل الخدمات الأساسية من حقوق إنسانية مكفولة دولياً إلى "بطاقات تموينية" مشروطة تمنحها شركات أمنية ومدنية، مما يعني مساومة المواطن الغزي على لقمة عيشه مقابل القبول بالأمر الواقع.
قراءة تحليلية: المساعدات كأداة في حروب الجيل الجديد
يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذا التحول يمثل تطبيقاً نموذجياً لـ "أدوات السيطرة الناعمة والخشنة معاً"؛ حيث لن تتوقف تدفقات الغذاء والدواء بالكامل، ولكن سيتم نقل قنواتها لتديرها "القوة الإستراتيجية الدولية" والشركات التابعة لـ "مجلس السلام".
هذه الهندسة السياسية تحول الإغاثة الإنسانية إلى أداة تحكم أمني مباشر؛ حيث يتم ربط دخول الشاحنات والمستلزمات الطبية بمدى الالتزام بالترتيبات الأمنية الجديدة داخل المربعات السكنية والممرات المدارة خلف ما يسمى بـ "الخط الأصفر"، مما يمنح الجهات المشرفة قدرة كاملة على معاقبة أو مكافأة مناطق بأكملها عبر سلاح الغذاء والمأوى.
السيطرة على الأرض وتصفية الهوية
يتزامن هذا الضغط المؤسساتي والإنساني مع محاولات فرض واقع جغرافي جديد على الأرض لتثبيت الممرات الأمنية والمناطق العازلة (مثل محوري نتساريم وصلاح الدين/فيلادلفيا). يسعى المخطط الحالي إلى حصر الكتلة السكانية في معازل جغرافية محددة، وفصل القرار الإداري والخدمي للقطاع عن أي مظلة شرعية دولية تاريخية تذكر بالعالم بحق العودة.
إن "غزة الجديدة" التي يبشر بها المجلس، تبدو في عمقها محاولة لتجريد القضية الفلسطينية من أبعادها السياسية والقانونية، وتحويلها بالكامل إلى "ملف إداري وأمني" يُدار بعقلية الشركات والوصاية الدولية، مما يوضع الشارع الفلسطيني أمام مرحلة جديدة من المواجهة لتثبيت الوجود والهوية فوق الأرض.
